المشكلات النفسية-الاجتماعية لدى المراهقين في سوريا خلال سنوات الحرب

أدّت سنوات الحرب في سوريا إلى آثار نفسية-اجتماعية عميقة طالت مختلف فئات المجتمع، وكانت فئة المراهقين من أكثر الفئات تأثرًا نظرًا لحساسية هذه المرحلة النمائية. تهدف هذه المقالة، الصادرة عن عيادة روح للصحة النفسية، إلى استعراض أبرز المشكلات النفسية-الاجتماعية والسلوكية لدى المراهقين السوريين خلال فترة الحرب، وتحليل العوامل المساهمة في نشوئها، مع التأكيد على أهمية التدخل النفسي المبكر والدور العلاجي للعيادات النفسية المتخصصة في دعم التعافي الفردي والمجتمعي.

تُعد المراهقة مرحلة انتقالية حاسمة في النمو النفسي والاجتماعي، حيث تتشكل الهوية الذاتية، وتتطور القدرات الانفعالية، وتُبنى العلاقات الاجتماعية خارج إطار الأسرة. وتشير الأدبيات النفسية إلى أن الاستقرار النفسي والاجتماعي يُعد شرطًا أساسيًا لعبور هذه المرحلة بشكل صحي.
إلا أن المراهقين في سوريا نشؤوا في سياق استثنائي اتسم بالحرب، والعنف، والنزوح، والخسارة، والانقطاع التعليمي، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الاضطرابات النفسية-الاجتماعية. وتبرز أهمية هذا الموضوع في كونه يمس حاضر المراهق ومستقبله، كما ينعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية للمجتمع ككل.

الإطار النفسي-الاجتماعي للمراهقة في سياق الحرب

تشير نظريات النمو النفسي (Erikson, 1968) إلى أن المراهقة تمثل مرحلة صراع بين تكوين الهوية واضطراب الدور. وعندما يترافق هذا الصراع مع التعرض المزمن للصدمات، فإن عملية النمو الطبيعي تتعرض لخلل واضح.
في السياق السوري، يمكن تحديد أبرز العوامل الضاغطة بما يلي:

  • التعرض المباشر أو غير المباشر لأحداث صادمة (قصف، عنف، فقدان).
  • فقدان أحد الوالدين أو تفكك البنية الأسرية.
  • النزوح المتكرر وفقدان الإحساس بالأمان المكاني.
  • الانقطاع عن التعليم أو تدني جودته.
  • الضغوط الاقتصادية وتحميل المراهق أدوارًا تفوق قدرته النمائية.

تفاعل هذه العوامل أسهم في نشوء أنماط سلوكية ونفسية غير تكيفية لدى شريحة واسعة من المراهقين.

أبرز المشكلات النفسية-الاجتماعية لدى المراهقين

1. اضطرابات القلق

تُعد اضطرابات القلق من أكثر الاضطرابات شيوعًا بين المراهقين المتأثرين بالحرب، حيث تظهر على شكل قلق معمم، ونوبات هلع، ومخاوف مفرطة مرتبطة بالأصوات أو الأماكن. وتربط الدراسات بين التعرض المستمر للتهديد وفقدان الإحساس بالأمان وبين ارتفاع مستويات القلق لدى الأطفال والمراهقين في مناطق النزاع (Tol et al., 2011).

2. الاكتئاب واضطرابات المزاج

أظهرت تقارير الصحة النفسية انتشارًا ملحوظًا للأعراض الاكتئابية بين المراهقين، بما في ذلك الحزن المزمن، وفقدان المتعة، واضطرابات النوم، والشعور باليأس. وغالبًا ما يتخذ الاكتئاب لدى المراهقين طابعًا غير نمطي، يظهر من خلال التهيج أو الانسحاب الاجتماعي، ما يؤدي إلى تأخر التشخيص والتدخل العلاجي.

3. اضطرابات السلوك والسلوك العدواني

في بعض الحالات، يلجأ المراهق إلى السلوك العدواني أو التحدي المستمر للسلطة كآلية دفاعية في مواجهة الشعور بالعجز والخوف. وتشير المقاربات السريرية إلى أن التعرض المزمن للعنف يسهم في تطبيع السلوك العدواني بوصفه وسيلة تعبير وتنظيم انفعالي بديلة (APA, 2013).

4. اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)

يُعد اضطراب ما بعد الصدمة من الاضطرابات المركزية المرتبطة بالحرب، ويظهر لدى المراهقين على شكل استرجاع متكرر للذكريات الصادمة، وتجنب المثيرات المرتبطة بها، وفرط يقظة، وخدر عاطفي. وقد بينت دراسات متعددة أن الأطفال والمراهقين في مناطق النزاع معرضون بشكل مرتفع لهذا الاضطراب مقارنة بغيرهم (WHO, 2013).

5. اضطرابات الهوية والانتماء

أدّت ظروف عدم الاستقرار إلى إرباك عملية تشكل الهوية لدى المراهقين، حيث واجهوا صعوبة في بناء صورة ذاتية مستقرة والشعور بالانتماء. هذا الاضطراب في الهوية قد يدفع بعضهم إلى تبني سلوكيات خطرة أو الانجراف نحو جماعات توفر شعورًا زائفًا بالأمان والانتماء.

دور الأسرة والمؤسسات الداعمة

تُعد الأسرة العامل الوقائي الأساسي في الصحة النفسية للمراهق، إلا أن كثيرًا من الأسر السورية كانت تعاني بدورها من صدمات وضغوط نفسية واقتصادية، ما حدّ من قدرتها على الاحتواء. كما أسهم تراجع دور المدرسة والمؤسسات المجتمعية في تفاقم المشكلات النفسية-الاجتماعية.
وتؤكد عيادة روح للصحة النفسية على أهمية تبني مقاربة تكاملية تشمل الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات العلاجية، ضمن إطار دعم نفسي-اجتماعي شامل.

أهمية التدخل النفسي والعلاج

تشير الخبرة السريرية والدراسات العلمية إلى أن التدخل النفسي المبكر يخفف من شدة الأعراض ويقلل من خطر تحول الاضطرابات إلى حالات مزمنة. ويشمل التدخل الفعّال:

العلاج النفسي الفردي المتمحور حول الصدمة.

العلاج الجماعي الداعم للمراهقين.

برامج تنمية مهارات تنظيم الانفعالات والتكيف.

إشراك الأسرة ضمن الخطة العلاجية.

في عيادة روح، يُنظر إلى العلاج النفسي بوصفه عملية إعادة بناء للأمان الداخلي والقدرة على الاستمرار.

في الختام

إن المشكلات النفسية-الاجتماعية لدى المراهقين في سوريا خلال سنوات الحرب تمثل استجابة إنسانية طبيعية لظروف استثنائية، ولا يمكن اختزالها في إطار الضعف الفردي. ويشكّل الاعتراف بهذه المشكلات، وتوفير خدمات نفسية متخصصة قائمة على أسس علمية، خطوة محورية في دعم تعافي المراهق وبناء مستقبل نفسي-اجتماعي أكثر صحة.
تؤمن عيادة روح للصحة النفسية بأن الاستثمار في صحة المراهق النفسية هو استثمار مباشر في تعافي المجتمع ككل.